فصل: فَصْلٌ فِي ذِكْرَى الْهِجْرَتَيْنِ الْأُولَى وَالثّانِيَةُ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد (نسخة منقحة)



.تفسير معنى المتوكل:

وَأَمّا اسْمُهُ الْمُتَوَكّلُ فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَرَأْت فِي التّوْرَاةِ صِفَةَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُحَمّدٌ رَسُولُ اللّهِ عَبْدِي وَرَسُولِيُ سَمّيْتُهُ الْمُتَوَكّلَ لَيْسَ بِفَظّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يَجْزِي بِالسّيّئَةِ السّيّئَةَ بَلْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَلَنْ أَقْبِضَهُ حَتّى أُقِيمَ بِهِ الْمِلّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَهُوَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَحَقّ النّاسِ بِهَذَا الِاسْمِ لِأَنّهُ تَوَكّلَ عَلَى اللّهِ فِي إقَامَةِ الدّينِ تَوَكّلًا لَمْ يُشْرِكْهُ فِيهِ غَيْرُهُ.

.تَفْسِيرُ الْمَاحِي:

وَأَمّا الْمَاحِي وَالْحَاشِرُ وَالْمُقَفّي وَالْعَاقِبُ فَقَدْ فُسّرَتْ فِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ فَالْمَاحِي: هُوَ الّذِي مَحَا اللّهُ بِهِ الْكُفْرَ وَلَمْ يَمْحُ الْكُفْرَ بِأَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ مَا مُحِيَ بِالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَإِنّهُ بُعِثَ وَأَهْلُ الْأَرْضِ كُلّهُمْ كَفّارٌ إلّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمْ مَا بَيْنَ عُبّادِ أَوْثَانٍ وَيَهُودَ مَغْضُوبٍ عَلَيْهِمْ وَنَصَارَى ضَالّينَ وَصَابِئَةٍ دَهْرِيّةٍ لَا يَعْرِفُونَ رَبّا وَلَا مَعَادًا وَبَيْنَ عُبّادِ الْكَوَاكِبِ وَعُبّادِ النّارِ وَفَلَاسِفَةٍ لَا يَعْرِفُونَ شَرَائِعَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا يُقِرّونَ بِهَا فَمَحَا اللّهُ سُبْحَانَهُ ظَهَرَ دِينُ اللّهِ عَلَى كُلّ دِينٍ وَبَلَغَ دِينُهُ مَا بَلَغَ اللّيْلُ وَالنّهَارُ وَسَارَتْ دَعْوَتُهُ مَسِيرَ الشّمْسِ فِي الْأَقْطَار.

.تَفْسِيرُ الْحَاشِرِ:

وَأَمّا الْحَاشِرُ فَالْحَشْرُ هُوَ الضّمّ وَالْجَمْعُ فَهُوَ الّذِي يُحْشَرُ النّاسُ عَلَى قَدَمِهِ فَكَأَنّهُ بُعِثَ لِيُحْشَرَ النّاس.

.تَفْسِيرُ الْعَاقِبِ:

وَالْعَاقِبُ الّذِي جَاءَ عَقِبَ الْأَنْبِيَاءِ فَلَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيّ فَإِنّ الْعَاقِبَ هُوَ الْآخِرُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخَاتَمِ وَلِهَذَا سُمّيَ الْعَاقِبَ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَيْ عَقِبَ الْأَنْبِيَاءِ جَاءَ بِعَقِبِهِمْ.

.تَفْسِيرُ الْمُقَفّي:

وَأَمّا الْمُقَفّي فَكَذَلِكَ وَهُوَ الّذِي قَفّى عَلَى آثَارٍ مَنْ تَقَدّمِهِ فَقَفّى اللّهُ بِهِ عَلَى آثَارِ مَنْ سَبَقَهُ مِنْ الرّسُلِ وَهَذِهِ اللّفْظَةُ مُشْتَقّةٌ مِنْ الْقَفْوِ يُقَالُ قَفَاهُ يَقْفُوهُ إذَا تَأَخّرَ عَنْهُ وَمِنْهُ قَافِيَةُ الرّأْسِ وَقَافِيَةُ الْبَيْتِ فَالْمُقَفّي: الّذِي قَفّى مَنْ قَبْلَهُ مِنْ الرّسُلِ فَكَانَ خَاتَمَهُمْ وَآخِرَهُمْ.

.نَبِيّ التّوْبَة:

وَأَمّا نَبِيّ التّوْبَةِ فَهُوَ الّذِي فَتَحَ اللّهُ بِهِ بَابَ التّوْبَةِ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَتَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ تَوْبَةً لَمْ يَحْصُلْ مِثْلُهَا لِأَهْلِ الْأَرْضِ قَبْلَهُ. وَكَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَكْثَرُ النّاسِ اسْتِغْفَارًا وَتَوْبَةً حَتّى كَانُوا يَعُدّونَ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرّةٍ رَبّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيّ إنّكَ أَنْتَ التّوّابُ الْغَفُورُ وَكَانَ يَقُولُ يَا أَيّهَا النّاسُ تُوبُوا إلَى اللّهِ رَبّكُمْ فَإِنّي أَتُوبُ إلَى اللّهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرّةٍ وَكَذَلِكَ تَوْبَةُ أُمّتِهِ أَكْمَلُ مِنْ تَوْبَةِ سَائِرِ الْأُمَمِ وَأَسْرَعُ وَكَانَتْ تَوْبَةُ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ أَصْعَبِ الْأَشْيَاءِ حَتّى كَانَ مِنْ تَوْبَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ قَتْلُ أَنْفُسِهِمْ وَأَمّا هَذِهِ الْأُمّةُ فَلِكَرَامَتِهَا عَلَى اللّهِ تَعَالَى جَعَلَ تَوْبَتَهَا النّدَمَ وَالْإِقْلَاعَ.

.نَبِيّ الْمَلْحَمَة:

وَأَمّا نَبِيّ الْمَلْحَمَةِ فَهُوَ الّذِي بُعِثَ بِجِهَادِ أَعْدَاءِ اللّهِ فَلَمْ يُجَاهِدْ نَبِيّ وَأُمّتَهُ قَطّ مَا جَاهَدَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأُمّتُهُ وَالْمَلَاحِمُ الْكِبَارُ الّتِي وَقَعَتْ وَتَقَعُ بَيْنَ أُمّتِهِ وَبَيْنَ الْكُفّارِ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهَا قَبْلَهُ فَإِنّ أُمّتَهُ يَقْتُلُونَ الْكُفّارَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ عَلَى تَعَاقُبِ الْأَعْصَارِ وَقَدْ أَوْقَعُوا بِهِمْ مِنْ الْمَلَاحِمِ مَا لَمْ تَفْعَلْهُ أُمّةٌ سِوَاهُمْ.

.نَبِيّ الرّحْمَة:

وَأَمّا نَبِيُ الرّحْمَةِ فَهُوَ الّذِي أَرْسَلَهُ اللّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فَرُحِمَ بِهِ أَهْلُ الْأَرْضِ كُلّهُمْ مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ أَمّا الْمُؤْمِنُونَ فَنَالُوا النّصِيبَ الْأَوْفَرَ مِنْ الرّحْمَةِ وَأَمّا الْكُفّارُ فَأَهْلُ الْكِتَابِ مِنْهُمْ عَاشُوا فِي ظِلّهِ وَتَحْتَ حَبْلِهِ وَعَهْدِهِ وَأَمّا مَنْ قَتَلَهُ مِنْهُمْ هُوَ وَأُمّتُهُ فَإِنّهُمْ عَجّلُوا بِهِ إلَى النّارِ وَأَرَاحُوهُ مِنْ الْحَيَاةِ الطّوِيلَةِ الّتِي لَا يَزْدَادُ بِهَا إلّا شِدّةَ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ.

.الْفَاتِح:

وَأَمّا الْفَاتِحُ فَهُوَ الّذِي فَتَحَ اللّهُ بِهِ بَابَ الْهُدَى بَعْدَ أَنْ كَانَ مُرْتَجًا وَفَتَحَ بِهِ الْأَعْيُنَ الْعُمْيَ وَالْآذَانَ الصّمّ وَالْقُلُوبَ الْغُلْفَ وَفَتَحَ اللّهُ بِهِ أَمْصَارَ الْكُفّارِ وَفَتَحَ بِهِ أَبْوَابَ الْجَنّةِ وَفَتَحَ بِهِ طُرُقَ الْعِلْمِ النّافِعِ وَالْعَمَلِ الصّالِحِ فَفَتَحَ بِهِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةَ وَالْقُلُوبَ وَالْأَسْمَاعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَمْصَارَ.

.الْأَمِين:

وَأَمّا الْأَمِينُ فَهُوَ أَحَقّ الْعَالَمِينَ بِهَذَا الِاسْمِ فَهُوَ أَمِينُ اللّهِ عَلَى وَحْيِهِ وَدِينِهِ وَهُوَ أَمِينُ مَنْ فِي السّمَاءِ وَأَمِينُ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَلِهَذَا كَانُوا يُسَمّونَهُ قَبْلَ النّبُوّةِ الْأَمِينَ.

.الضّحُوكَ الْقَتّال:

وَأَمّا الضّحُوكُ الْقَتّالُ فَاسْمَانِ مُزْدَوَجَانِ لَا يُفْرَدُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ اللّهِ لَا تَأْخُذُهُ فِيهِمْ لَوْمَةُ لَائِمٍ.

.الْبَشِيرُ:

وَأَمّا الْبَشِيرُ فَهُوَ الْمُبَشّرُ لِمَنْ أَطَاعَهُ بِالثّوَابِ وَالنّذِيرُ الْمُنْذِرُ لِمَنْ عَصَاهُ بِالْعِقَابِ وَقَدْ سَمّاهُ اللّهُ عَبْدَهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ مِنْهَا قَوْلُه: {وَأَنّهُ لَمّا قَامَ عَبْدُ اللّهِ يَدْعُوهُ} [الْجِنّ: 20] وَقَوْلُهُ: {تَبَارَكَ الّذِي نَزّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الْفُرْقَانُ: 1] وَقَوْلُهُ: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النّجْمُ 10] وَقَوْلُهُ: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [الْبَقَرَةُ 23] وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصّحِيحِ أَنّهُ قَالَ: «أَنَا سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ وَسَمّاهُ اللّهُ سِرَاجًا مُنِيرًا وَسَمّى الشّمْسَ سِرَاجًا وَهّاجًا».

.الْمُنِير:

وَالْمُنِيرُ هُوَ الّذِي يُنِيرُ مِنْ غَيْرِ إحْرَاقٍ بِخِلَافِ الْوَهّاجِ فَإِنّ فِيهِ نَوْعُ إحْرَاقٍ وَتَوَهّجٍ.

.فَصْلٌ فِي ذِكْرَى الْهِجْرَتَيْنِ الْأُولَى وَالثّانِيَةُ:

وَخَافَ مِنْهُمْ الْكُفّارُ اشْتَدّ أَذَاهُمْ لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفِتْنَتُهُمْ إيّاهُمْ فَأَذِنَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْهِجْرَةِ إلَى الْحَبَشَةِ وَقَالَ إنّ بِهَا مَلِكًا لَا يَظْلِمُ النّاسَ عِنْدَهُ فَهَاجَرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَأَرْبَعُ نِسْوَةٍ مِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ وَهُوَ أَوّلُ مَنْ خَرَجَ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ رُقَيّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَقَامُوا فِي الْحَبَشَةِ فِي أَحْسَنِ جِوَارٍ فَبَلَغَهُمْ أَنّ قُرَيْشًا أَسْلَمَتْ وَكَانَ هَذَا الْخَبَرُ كَذِبًا فَرَجَعُوا إلَى مَكّةَ فَلَمّا بَلَغَهُمْ أَنّ الْأَمْرَ أَشَدّ مِمّا كَانَ رَجَعَ مِنْهُمْ مَنْ رَجَعَ وَدَخَلَ جَمَاعَةٌ فَلَقُوا مِنْ قُرَيْشٍ أَذًى شَدِيدًا وَكَانَ مِمّنْ دَخَلَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.

.الْحَصْرُ فِي الشّعْبِ ثُمّ وَفَاةُ خَدِيجَةَ فَعَمّهِ فَخُرُوجُهُ لِلطّائِفِ:

ثُمّ أَذِنَ لَهُمْ فِي الْهِجْرَةِ ثَانِيًا إلَى الْحَبَشَةِ فَهَاجَرَ مِنْ الرّجَالِ ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ رَجُلًا إنْ كَانَ فِيهِمْ عَمّارُ فَإِنّهُ يُشَكّ فِيهِ وَمِنْ النّسَاءِ ثَمَانِ عَشْرَةَ امْرَأَةً فَأَقَامُوا عِنْدَ النّجَاشِيّ عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا فَأَرْسَلُوا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ اللّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ فِي جَمَاعَةٍ لِيَكِيدُوهُمْ عِنْدَ النّجَاشِيّ فَرَدّ اللّهُ كَيْدَهُمْ فِي نُحُورِهِمْ فَاشْتَدّ أَذَاهُمْ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَحَصَرُوهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ فِي الشّعْبِ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ ثَلَاثَ سِنِينَ وَقِيلَ سَنَتَيْنِ وَخَرَجَ مِنْ الْحَصْرِ وَلَهُ تِسْعٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً وَقِيلَ ثَمَانِ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً وَبَعْدَ ذَلِكَ بِأَشْهُرٍ مَاتَ عَمّهُ أَبُو طَالِبٍ وَلَهُ سَبْعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَفِي الشّعْبِ وُلِدَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَبّاسٍ فَنَالَ الْكُفّارُ مِنْهُ أَذًى شَدِيدًا ثُمّ مَاتَتْ خَدِيجَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ فَاشْتَدّ أَذَى الْكُفّارِ لَهُ فَخَرَجَ إلَى الطّائِفِ هُوَ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَدْعُو إلَى اللّهِ تَعَالَىُ وَأَقَامَ بِهِ أَيّامًا فَلَمْ يُجِيبُوهُ وَآذَوْهُ وَأَخْرَجُوهُ وَقَامُوا لَهُ سِمَاطَيْنِ فَرَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ حَتّى أَدْمَوْا كَعْبَيْهِ فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَاجِعًا إلَى مَكّةَ وَفِي طَرِيقِهِ لَقِيَ عَدّاسًا النّصْرَانِيّ فَآمَنَ بِهِ وَصَدّقَهُ وَفِي طَرِيقِهِ أَيْضًا بِنَخْلَةَ صُرِفَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ الْجِنّ سَبْعَةٌ مِنْ أَهْلِ نَصِيبِينَ فَاسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ وَأَسْلَمُوا وَفِي طَرِيقِهِ تِلْكَ أَرْسَلَ اللّهُ إلَيْهِ مَلَكَ الْجِبَالِ يَأْمُرُهُ مَكّةَ وَهُمَا جَبَلَاهَا إنْ أَرَادَ فَقَالَ: لَا بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلّ اللّهَ يُخْرِجُ مِنْ أَصْلاَبِهِم مَنْ يَعْبُدُهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا.

.الْإِسْرَاءُ:

وَفِي طَرِيقِهِ دَعَا بِذَلِكَ الدّعَاءِ الْمَشْهُورِ اللّهُمّ إلَيْك أَشْكُو ضَعْفَ قُوّتِي وَقِلّةَ حِيلَتِي... الْحَدِيثُ ثُمّ دَخَلَ مَكّةَ فِي جِوَارِ الْمُطْعَمِ بْنِ عَدِيّ ثُمّ أُسْرِيَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ثُمّ عُرِجَ بِهِ إلَى فَوْقِ السّمَوَاتِ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ فَخَاطَبَهُ وَفَرَضَ عَلَيْهِ الصّلَوَاتِ وَكَانَ ذَلِكَ مَرّةً وَاحِدَةً هَذَا أَصَحّ الْأَقْوَالِ. وَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ مَنَامًا وَقِيلَ بَلْ يُقَالُ أُسْرِيَ بِهِ وَلَا يُقَالُ يَقَظَةً وَلَا مَنَامًا. وَقِيلَ كَانَ الْإِسْرَاءُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَقَظَةً وَإِلَى السّمَاءِ مَنَامًا. وَقِيل: كَانَ الْإِسْرَاءُ مَرّتَيْنِ مَرّةً يَقَظَةً وَمُرّةً مَنَامًا. وَقِيلَ بَلْ أُسَرِيّ بِهِ ثَلَاثَ مَرّاتُ وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْمَبْعَثِ بِالِاتّفَاقِ. وَأَمّا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ شَرِيكِ أَنّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إلَيْهِ فَهَذَا مِمّا عُدّ مِنْ أَغْلَاطِ شَرِيكِ الثّمَانِيَةِ وَسُوءِ حِفْظِهِ لِحَدِيثِ الْإِسْرَاءِ. وَقِيلَ إنّ هَذَا كَانَ إسْرَاءَ الْمَنَامِ قَبْلَ الْوَحْيِ. وَأَمّا إسْرَاءُ الْيَقَظَةُ فَبَعْدَ النّبُوّةِ وَقِيلَ بَلْ الْوَحْيُ هَاهُنَا مُقَيّدٌ وَلَيْسَ بِالْوَحْيِ الْمُطْلَقِ الّذِي هُوَ مَبْدَأُ النّبُوّةِ وَالْمُرَادُ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إلَيْهِ فِي شَأْنِ الْإِسْرَارِ فَأُسْرِيَ بِهِ فَجْأَةً مِنْ غَيْرِ تَقَدّمِ إعْلَامٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ.

.دَعْوَةُ الْقَبَائِلِ وَالْهِجْرَةُ إلَى الْمَدِينَة:

فَأَقَامَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَكّةَ مَا أَقَامَ يَدْعُو الْقَبَائِلَ إلَى اللّهِ تَعَالَى وَيَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ فِي كُلّ مَوْسِمٍ أَنْ يُؤْوُوهُ حَتّى يُبَلّغَ رِسَالَةَ رَبّهِ وَلَهُمْ الْجَنّةُ فَلَمْ تَسْتَجِبْ لَهُ قَبِيلَةٌ وَادّخَرَ اللّهُ ذَلِكَ كَرَامَةً لِلْأَنْصَارِ فَلَمّا أَرَادَ اللّهُ تَعَالَى إظْهَارَ دِينِهِ وَإِنْجَازَ وَعْدِهِ وَنَصْرَ نَبِيّهِ وَإِعْلَاءَ كَلِمَتِهِ وَالِانْتِقَامَ مِنْ أَعْدَائِهِ سَاقَهُ إلَى الْأَنْصَارِ لَمّا أَرَادَ بِهِمْ مِنْ الْكَرَامَةِ فَانْتَهَى إلَى نَفَرٍ مِنْهُمْ سِتّةٌ وَقِيلَ ثَمَانِيَةٌ وَهُمْ يَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ عِنْدَ عَقَبَةِ مِنًى فِي الْمَوْسِمِ فَجَلَسَ إلَيْهِمْ وَدَعَاهُمْ إلَى اللّهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ الْمَدِينَةِ فَدَعَوْا قَوْمَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ حَتّى فَشَا فِيهِمْ وَلَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إلّا وَفِيهَا ذِكْرٌ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ. فَأَوّلُ مَسْجِدٍ قُرِئَ فِيهِ الْقُرْآنُ بِالْمَدِينَةِ مَسْجِدُ بَنِي زُرَيْقٍ ثُمّ قَدِمَ مَكّةَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ مِنْ السّتّةِ الْأَوّلِينَ فَبَايَعُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى بَيْعَةِ النّسَاءِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ ثُمّ انْصَرَفُوا إلَى الْمَدِينَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا وَامْرَأَتَانِ وَهُمْ أَهْلُ الْعَقَبَةِ الْأَخِيرَةِ فَبَايَعُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ مِمّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ فَتَرْحَلُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إلَيْهِمْ وَاخْتَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَأَذِنَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَصْحَابِهِ فِي الْهِجْرَةِ إلَى الْمَدِينَةِ فَخَرَجُوا أَرْسَالًا مُتَسَلّلِينَ أَوّلُهُمْ فِيمَا قِيل: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيّ وَقِيلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ فَقَدِمُوا عَلَى الْأَنْصَارِ فِي دُورِهِمْ فَآوَوْهُمْ وَنَصَرُوهُمْ وَفَشَا الْإِسْلَامُ بِالْمَدِينَةِ ثُمّ أَذِنَ اللّهُ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْهِجْرَةِ فَخَرَجَ مِنْ مَكّةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ وَقِيلَ فِي صَفَرٍ وَلَهُ إذْ ذَاكَ ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ وَدَلِيلُهُمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الأُرَيْقِط اللّيثِيُ فَدَخَلَ غَارَ ثَوْرٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ فَأَقَامَا فِيهِ ثَلَاثًا ثُمّ أَخَذَا عَلَى طَرِيقِ السّاحِلِ فَلَمّا انْتَهَوْا إلَى الْمَدِينَةِ وَذَلِكَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ نَزَلَ بقُبَاء فِي أَعْلَى الْمَدِينَةِ عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ. وَقِيلَ نَزَلَ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ الهدم. وَقِيلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ وَالْأَوّلُ أَشْهَرُ فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَأَسّسَ مَسْجِدَ قُبَاءَ ثُمّ خَرَجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَدْرَكَتْهُ الْجُمُعَةُ فِي بَنِي سَالِمٍ كَانَ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ مِائَةٌ ثُمّ رَكِبَ نَاقَتَهُ وَسَارَ وَجَعَلَ النّاسَ يُكَلّمُونَهُ فِي النّزُولِ عَلَيْهِمْ وَيَأْخُذُونَ بِخِطَامِ النّاقَةِ فَيَقُولُ خَلّوا سَبِيلَهَا فَإِنّهَا مَأْمُورَةٌ فَبَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِهِ الْيَوْمَ وَكَانَ مِرْبَدًا لِسَهْلٍ وَسُهَيْلٍ غُلَامَيْنِ مِنْ بَنِي النّجّارِ فَنَزَلَ عَنْهَا عَلَى أَبِي أَيّوبَ الْأَنْصَارِيّ ثُمّ بَنَى مَسْجِدَهُ مَوْضِعَ الْمِرْبَدِ بِيَدِهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْجَرِيدِ وَاللّبِنِ ثُمّ بَنَى مَسْكَنَهُ وَمَسَاكِنَ أَزْوَاجِهِ إلَى جَنْبِهِ وَأَقْرَبُهَا إلَيْهِ مَسْكَنُ عَائِشَةَ ثُمّ تَحَوّلَ بَعْدَ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ دَارِ أَبِي أَيّوبَ إلَيْهَا وَبَلَغَ أَصْحَابَهُ بِالْحَبَشَةِ هِجْرَتُهُ إلَى الْمَدِينَةِ فَرَجَعَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْمَدِينَةِ ثُمّ هَاجَرَ بَقِيّتُهُمْ فِي السّفِينَةِ عَامَ خَيْبَرَ سَنَةَ سَبْعٍ.

.فَصْلٌ فِي أَوْلَادِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ:

أَوّلُهُمْ الْقَاسِمُ وَبِهِ كَانَ يُكَنّى مَاتَ طِفْلًا وَقِيلَ عَاشَ إلَى أَنْ رَكِبَ الدّابّةَ وَسَارَ عَلَى النّجِيبَةِ. ثُمّ زَيْنَب وَقِيلَ هِيَ أَسَنّ مِنْ الْقَاسِمِ ثُمّ رُقَيّةُ وَأُمّ كُلْثُومٍ وَفَاطِمَةُ وَقَدْ قِيلَ فِي كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنّ إنّهَا أَسَنّ مِنْ أُخْتَيْهَا وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ رُقَيّةَ أَسَنّ الثّلَاثِ وَأُمّ كُلْثُومٍ أَصْغَرُهُنّ. أَعْلَمُ. وَهَؤُلَاءِ كُلّهُمْ مِنْ خَدِيجَةَ وَلَمْ يُولَدْ لَهُ مِنْ زَوْجَةِ غَيْرِهَا. ثُمّ وُلِدَ لَهُ إبْرَاهِيم بِالْمَدِينَةِ مِنْ سُرّيّتِهِ مَارِيَةَ الْقِبْطِيّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَبَشّرَهُ بِهِ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَاهُ فَوَهَبَ لَهُ عَبْدًا وَمَاتَ طِفْلًا قَبْلَ الْفِطَامِ وَاخْتَلَفَ هَلْ صَلّى عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَكُلّ أَوْلَادِهِ تُوُفّيَ قَبْلَهُ إلّا فَاطِمَةَ فَإِنّهَا تَأَخّرَتْ بَعْدَهُ بِسِتّةِ أَشْهُرٍ فَرَفَعَ اللّهُ لَهَا بِصَبْرِهَا وَاحْتِسَابِهَا مِنْ الدّرَجَاتِ مَا فُضّلَتْ بِهِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ. وَفَاطِمَةُ أَفْضَلُ بَنَاتِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَقِيلَ إنّهَا أَفْضَلُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَقِيلَ بَلْ أُمّهَا خَدِيجَةُ وَقِيلَ بَلْ عَائِشَةُ وَقِيلَ بَلْ بِالْوَقْفِ فِي ذَلِكَ.